الاثنين، فبراير 07، 2011

يا يوسف لي حلم " هلال ☆☾ونجم "

 

 

يا يوسف لي حلم

 

 

 

 

*

.. " يا يوسف لي حلم " ...

... " ماذا عن هناك الحلم !؟ ,,,

...هنا الهم العرم ,,

سخرة أبي الهول ...

طوفان الدود والدم ,,

وسدنة سفاهة تنافح

عن خوار هرم ..

يباس البيادر ,,

خواء الأهراء ,,

تخمة عصبة الدواوين

بلحم المحاضر ,,

واجتماع شطار الآبار

بلا وقار على قار العدم ,,,

يا يوسف هل تعبر ؟

في الشفق أهلة ونٌجم ! ؟ ,,

في النفق فحم ينزلق

لمن " تقرمن " قرمزيا بالسراي ,,

يصك الطرقات بالباب الأصم

يقلب العتبة على الكلمة ,,

ويفتل الألسن باللُجم ......

" باشا " ......

على صدر الأنفاس وسدة الهواء " ....

له صواع ,, له رعاع

وقافلة سراق وخدم .....

دسونا " خرج " المكر

وقالوا في الأنحاء

نحن والذئب سواء ....

 

 

*

 

 

.. " بالجيزة ثلاث أهرام

ثلاث أحجار ,,,

لاعب البيضة ...

سحرة الغاز والهول مسال ....

,,, بعين شمس ☼

يبرق نجم لهلال ☆☾

هرم رابع للشعب

ومعول برأس التمثال " ..

 

 

*

 

 

... " ابتسم كلينا للموجة > <

واستغرق وجهينا تفاؤل مبلول ,,

خربش بمجدافه على الرمل ,,

ولوح لأصحاب الشط المحاذي ,,

كما يفعل البحار بمركبه المستعاد ...

...مسح أثار الربان الثقيل ,,

أزال صاريته وراية القرصان ,,

على قبر صاحب الفنار وضع باقة ياسمين,,,

.. انه الحظ يفوح قريبا والنور يتبعه بخور ...

كلينا قالها للآخر وطفق شهيقا ,,,

غادر إلى صدفة غير بعيدة ...

وانتظرناه عند ميعاد مجاور ,, " ....

ـــــــــ أنا والبر المالح ـــــــــ

 

 

*

 

 

.." أن له الغروب ,, والشمس فينا ..

دغداغة النور ــــــ لا شفق !!! ...

,, أن لنا العراء وحبه شغفنا ,,

قصورا تسكننا ــــــ لا شقق !!! ...

... أن للديجور أن يحجب الهالة

...عن علم التمام !؟ ....

إن هبت الروح ....

رف الهلال والنجم ألق !!؟؟ " .... ( قمر 14 في تونس )

 

 

*

 

 

... " رغم اجتثاثنا من شجرة الحياة كالعيدان

طرحنا على اليباس الخامد

وتفحمنا منذ أمد ,,

مازال البعض يراود المنجل

يقدس الفأس ,,

ينجم عن النار في المعبد ..

ويمسح صنم الحطاب بطرف صلاة ,, !؟ " ..

 

 

*

 

 

حين تخاطب مومياء على شفا ناووس ,,

جموع الأحياء ..

من الحكمة أن تغادر العزاء الفاني ,,

فالتأبين يخص الفراعنة وطقوس أنوبيس

وهؤلاء يجيدون لغة الموت " الهيروبطولية " .!؟

تشغلهم فكرة الخلود كمؤلهين والحلول بجسد

زمن الانتصاب وزمن الإطاحة ..

, " تعويذة تحنيط الملك

البردية السابعة العام 2011 قبل الحداد " .

, محفوظة بمتحف القمع الردهة الحمراء .*

 

 

*

 

 

... " يلفظ روعه ,,, بجسد الغواية ,,

الناب بين الأصابع وكف تقامر

في قفص العظم ,,

روح ضارية ,,

تشرب عجز رئتيها القصيدة .....

...تنفخ الصدر كمنطاد شعر .. " ..

 

 

*

 

 

,,,, بين بني خلدون* وبني غلبون*

يتواشج الليل بصلة الحلم

مقدمة تصحو بالوسائد هناك

والتذكار يتدانى هنا

قاب أصبعين من خواتمهم ,,,,

قمر دغداغ ونجم يكركر

...من يغالب يخلد !! ..

بين الكتابين رف استبداد وخزانة ملوك .. " ..

 

 

*

 

 

> كتب مقدمته ومضى في سطره ..

هذه الأيام جديرة بنفخ الغبار ..

بقراءة مطالع الهلال ,,

عن ديباجة ذرية ابن خلدون

وخلع ديباج السلطان عن علم العمران ..

...ماذا عن ذرية ابن غلبون

حول براميل السراى !؟

ماذا عن المنهل العذب

وبدعة علم الاستماع "

للعطش المنهار !؟ .... ....

 

 

*

 

 

.." وضعوا الحصان أمام العربة ! ..

وضعوا العربة أمام الحصان ؟ ..

ركبوا العربة , امتطوا الحصان !؟ ,,

........... !! حط بالخرج ,,,,,,,

يا أوديسيوس لم نصل طروادة بعد !!؟؟ ـــــ

...وعلي بـــابــــا لا يفتح المــدن بمصابيح أديسون ...

الخدعـــة مازالت تركض بشراييننا المعتمة ,,,

لكننا نجحنا في الاعتصام بحقنة جبن مطبق’’’

وانتـــظار فيراري آخيـــــــــــل لنــفرقـــع كعبـــــــــه !! ... " ...

 

 

*

 

 

ليتهم يكسرون شاشات السأم ,,

طقس الهواء الخامل ,,

صمت المحطات ,,

روتين الأنباء وعادات الصمم

بــــ " خبر عاجل " ...

ننتظر وصول خبر " راجل "

...يمشي بيننا بالخطو الثقيل

على كل المخافر ,,

يركل أشرطة النشرات

قدامه وشرطة الضجر ...

يشنف أقمار الفضاء بدندنة ...

" أحبك يا شعب "

 

 

*

 

 

.. " .. كلما نادت الوجوه صداها الأبدي ..

استقبلت في صوته ,,

شقائه المطوي ببرديات الأزل ..

هو الشعب يلقي عصاه ,, هو زمن اللدغة واللسعة ,,

هو زمن الإنسان المسموم والملتوي على عصر الأفعى ,,

هو الشعر لا الدهان ,,هو اللسان لا الممسحة ببلاط الفرعون ..

والطارق في الساعة العقيمة عقارب السحرة ,,, بكف نبي يصفع أمون ورع " ...

 

 

*

 

 

.. " سأخرج من عقلي إلى السراح ,,

ثمة أفكار وبناتها تتجاذب شعري

يسألنني رفقة الجنون ,,

إحراج الحكماء !! ..

إطلاق الروح وقصف سلطة العتمة " ...

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* / - ابن خلدون صاحب المقدمة الشهيرة ..

* / - ابن غلبون عالم ومؤرخ وصاحب كتاب " المنهل العذب " ..

 

 

*****

->إقراء المزيد...

الأحد، يناير 23، 2011

بجعات برية لــ يونغ تشانغ WILD SWANS

 

 

Wild Swans بجعات برية

 

" العبد الحقيقي هو الذي
لا يستطيع أنْ يعبر عن
رأيه بحرية  "....

هذا ما قاله أوسكار وايلد
... وتقول مارغريت ميد :
"  ’ الثقافة كاللغة إما أن تقبلها كلها أو تتركها كلها ‘ " .

مارغريت ميد واوسكار وايلد 2


يقول لساني :

.. " العبد بإمتياز هو ذاك المثقف الذي يدعي حب الجمال ,,
بيد أنه يتتطقس للقبح يعتنقه ويستعطفه.. يسوق مقولة نبذ الرق
ويتنخس .. يدعي حب الحرية .. ويمارس خيانتها مع المستبد
العاري على سرر اللعق والصمت بالتماهي مع شذوذه المأفون
والكتابة تحت وطاة الزجر والجزرة بذات الشبق والنزق
لقيد التدجين وسياط الطغيان   ,, " ....

 الكاتبة يونغ تشانغ

 

في كتابها " بجعات برية 1997" تعبر يونغ تشانغ الكاتبة البريطانية من أصل صيني عن هول الرهاب الخارجي والمعاناة الداخلية من رقيبها

الذاتي …..

فتقول : -

" ....... حينذاك كنت قد تمرست بعادة النقد الذاتي وكنت ألوم نفسي تلقائيا على أي نوازع تتعارض مع توجيهات ( ماو ) . كانت مثل هذه المشاعر في الحقيقة تخيفني , ولم يكن واردا أن أناقشها مع أحد .. بدلا من ذلك حاولت كبتها , والتحلي بطريقة التفكير ( السلمية ) وعشت في حالة من الاتهام الذاتي الدائم . إن مجرد الاستفسار أو السؤال من أجل التوضيح أو الفهم يصبح خيانة وأكثر من ذلك مجرد التفكير بالسؤال أوالاستفسار هو تطاول وخيانة .... " ...

 

في مقتطف آخر تقول يونغ تشانغ : ..

 

" بعد وفاة ماو الذي كان بالنسبة لها بمثابة الإله: في الأيام التي أعقبت

ماو فكرت كثيراً. كنت أعرف أنه يعتبر فيلسوفاً, وحاولت أن أفكر في فلسفته. بدا لي أن مبدأها المركزي هو الحاجة أو الرغبة إلى صراع مستديم. كان يبدو أن جوهر تفكيره هو أن الصراعات بين البشر هي القوة المحركة للتاريخ,وأنه من أجل صنع التاريخ, يتعين على الدوام خلق أعداء طبقيين بالجملة. وتساءلت إن كان هناك أي فلاسفة آخرين, أدت نظرياتهم إلى معاناة كل هذه الأعداد وموتهم. وفكرت في الإرهاب والبؤس الذين أُخضع لهما الصينيون. من أجل ماذا؟ ولكن نظرية ماو قد تكون امتداد لشخصيته. بدا لي أنه كان حقاً, مروج نزالات, لا يعرف الراحة بطبيعته, وأنه كان يتقن عمله هذا. كان يفهم غرائز إنسانية قبيحة

مثل الحسد والكره والكره, ويعرف كيف يسخرها لغاياته. كان يحكم بدفع الناس إلى كره بعضهم بعضاً. وبعمله هذا حمل الصينيين العاديين على تنفيذ المهمات, التي تضطلع بها في الدكتاتوريات الأخرى نخب مهنية. لقد تمكن ماو من تحويل الشعب إلى سلاح الدكتاتورية الأمضى. ولهذا, في عهد ماو, لم يكن في عهده معادل حقيقي لجهاز المخابرات السوفييتي الكي جي بي. في الصين لم تكن هناك حاجة لذلك. وبنبش وتغذية أسوأ ما في البشر, أوجد ماو مزبلة أخلاقية, وأرضاً من الكره.

ولكن كم هو حجم المسؤولية الفردية التي ينبغي أن يشترك فيها الناس العاديون؟

هذا ما لم أتمكن من تحديده " ......

 

*******************************

->إقراء المزيد...

الجمعة، يناير 14، 2011

“ يناير “ الشابي والشعب

أبو القاسم الشابي

"

منذ زمان ,,

ذات فتح لاح ,,

فرت من غابها الوحوش

خاسئة الرواح ...

عامرة القيروان اليوم

تؤذن فيها الأرواح

هذا أوان طهر وصلاة ,,

فليتوضأ الأبرار

بالمطر ,,

بالحجر ,,

وأبابيل الصياح ..

فليرجم الشيطان ..

فلترحل عنها الغيلان ..

ولتنزل النهارات الملاح ..

" ألا إن أحلام البلاد دفينة " ...

كلمة الشابي

" إلى الطاغية *" .....

وعرشه يخر ذات نواح

تبت يداه وما نهب

ها هي تبعث من رمسها المغلول

يا كوابيس السراح ....

.. نبوءة شاعر لشعب تعب

يكتدح الركود رياح

يهب على متن حلم " ...

*- " إلى الطاغية " ..

عنوان قصيدة للشاعر الراحل أبوالقاسم الشابي

->إقراء المزيد...

البث مقمر والشعر على الهواء

(( إلى أرواح محمد البوعزيزي وهيثم بن طاهر وكل أحرار تونس ))

[ إلى السماء التي تبللني ,, كل قطرة وأنت مطر ,,

إلى سحابتي في عيد الماء كل غمام وأنت حبر ]

" أطفئوا شاشة الليل وأبقوا وجنة البدر خافتة ,,

البث مقمر وعلى السماء مباشرة .. " ....

***

........ " إنساني المغيب أينك اليوم * ! ؟ ..

الألسن كسلى والصوت ضامر

تفدحنا رهانات الحقوق وخسارة الآجل ,,

يرعانا المضارع الضاري

نخاسة الغاب ,, ومواثيق الحظائر ...

حيث لا أسماء أجمل ,, لازلت أذكرك

" إسمي بشر " .........

*****

Atlis WIND

…. >>

.." سرب اعلام بجاليري قزح

نجم وهلال يلونان قماشة النهار ,,,

كانت بلوحة السماء محط الأبصار ...

كانت منحوتة القفص طليقة القضبان ,,,

كانت الحرية تطير والقناص منهار ,,,

كانت تونس تحلق وكان الشعب فنان ....

كنا هنا عربا وكانت هناك أسوار

نرتعد بالريشة ,,,,,,,,,,

واللوحة لسجن وسجان " .... !؟ ... >>

.... >>

" من يهشم فكرة العيش برؤوس الناس ,,

من يحاصر الآمال الشفيفة بقنينة القهر

ويطحن حبات قلوبهم على رحى من صوان وبارود ,,

لن يوردهم غير دوار الشظف والموت عكس العقال

بصعقة الجنون فوق رماده المنهار ..

من يحشرهم مهرولين على بطونهم

بين عيدان الثقاب وعيدان المشانق ,,

لن يختاروا له ولهم ,,

غير الكي علاج والاحتراق لهبا ,, نورا ,,

حتى تتقشر العتمة عن مخالب الدرب المهدود ,,

ولتبوء " الدوغمة " بشسع نعل تحت أقدام الطوفان,..

لحياة ازدراها الملل والدجل ,,

ستضج في الزمان الواعد

صخبها الخصيب بعقلها الموهوب ..

وليعمرها ولو بعد طين ....

شجر الأحرار " >>....

.... >>

“ ليتهم يكسرون ضجر محطات

بــــ " خبر عاجل " ...

ننتظر وصول خبر " راجل "

يمشي بيننا بالخطو الثقيل

على كل المخافر ,,

يركل أشرطة النشرات قدامه

وشرطة الضجر ...

يشنف أقمار الفضاء

بدندنة " أحبك يا شعب " >>....

.... >>

لن التفت للوراء لأغضب ..

بل سأفتح ثغر الأمام وألقمه خرائط شفاهي ,,,

سأبتسم للخطوات الودودة بدرب البواكي

كلما مررنا بأرواح ترقص للحفاة وتغني للعراة ,,,

رغم مكائد الحجر ووساوس الحفر ,,,

ذات رحيل سنواري سوأة الغراب بمهب فناء,,,

وسنحط بألف عيد وعيد

سنخلع وراءنا إلى غير وجود ..

غداة انهيار قرون طوال بصدع العصور ,,

نطحتنا عن سدة الفرح

وهامت بنا في قفار الضجر ...

ذات وصول يا سيدتي

ستكون الوجوه ورافة الحبور

وعراجين الضحك دانية ,,, >>....

…. >>

.. " كانت أصابعهم بمفترق القلق بلا إشارات ..

كانت أرجلهم على صدر الساعة تسحق الأجراس

كان البقية على الناصية ينفقون خطاهم في صمت

وراء كل الأشياء المحضة وتكات اليأس الخائب ,,,

كنت أنت الضحية الشاغرة لاحتمالاتهم

تنهب الشوارع العاطلة تلتقط الانطباع

بكاميرا التصورات الملتبسة

تطالع صحف الوفيات بسوق الفناء الرائجة ,,

ومقالات السحرة ! عن ثعابين الأعيان !...

عن فرص الدراويش ومحدودي الدجل " .... >>....

*****

->إقراء المزيد...

ما وراء الخزف

 

emnetpalm.blogspot

 

 

 

ولولا إننا تذكرنا ولو بعد حين

أن في الجراب السماوي غير جسد الخزف .....

لما هامت نفخة الروح طويلا بشرنقتها الرهقة

في دغل وحشيتنا تتصنت جذعنا الهامس

لتتقشر عن حرفها المكنون ولغتها الطرية

ولو لم تنعقد بفم حروفها طلاسم مناداة غائرة

لما تعالت ملاسنة الصمت بالمواجيد المكممة !؟ .......

صخبا لا يهدا إلا بالفكاك من قفص العظم

إلى ما وراء جبة اللحم والتحاف بياض القرطاس ...

لولا ذاك لما فتشت فينا عن هيكلها المنيف

تغمس يراعها الأرجواني رهينة النزف والحس

بسدة النطق مرسلة مع ذبذبات الوجد ووشوشة الضراعة

ترانيم مرتلة تقهر روع الغاب ,, لتفدح الوحدة

وهي تستأنس رهبة الكهف الباطني

وسكون العراء الممدود ..

لو لم تنادينا الكلمات بأصدائها فينا

منذ زمن الطين ـــــــــ ,,

لما سمعنا خرير الماء موسيقى آمنة

وسط النوتات الضارية

ولما تصورنا اصطفاق المناقير غناء مناجاة ,,

ووشائج أصوات تقطع بها الصمت ,,,

لو لم ننزل بعد قضم التفاح

من وسوسة الخلد الأعلى

لما تذوقنا الخد واللب بيقين الطعم ,,

على أرض السكين .......

ولما عرفنا بأي معنى تنافح الكلمة عن بدئها الأزل ,,,

ومتى تجود شفاه الغواية البكر على الفكرة الصماء

بخلعة البوح إلى مالا كتمان ,,,

ولما فهمنا كيف يسقط الغصن بفخ الجاذبية ؟ ,,

وهو يمنح حمله الموسمي وثمره القرمزي ,,

قيمة الاستحواذ على لذاذة الاستغراق

في عيون نيوتن النهمة ,,,,

لاقتطاف ومضة اللحظة بسلة العقل ..

->إقراء المزيد...

الثلاثاء، ديسمبر 14، 2010

قورينايكي * " مصعد جبل الرخام "

  

قورينا

 

انعطفت بنا الباص الصدئة بعد عدة محطات من التوقف الاضطراري يسارا تاركة الاتجاه الرئيسي من الطريق لعربات أخرى ظلت وراءنا تنفث أدخنة الصبر وهي تنتظر نضالات سائقنا الجامح لخضنا وخوض التفافة مجنونة خارج الدرب من دون أن يصطدم بقطيع الأبقار العجاف وهي تلعق الوقت وعجولها على قارعة الزفث ..

الأبقار استحوذت على الطريق من دون أن تمنحنا أي قراءة مفيدة من مقدمة أو مؤخرة اهتمامها ولو بهزة ذيل أو بخوار اعتذار وهي تتداعى بجسارة سافرة على الطريق المخصص للبشر وعجلاتهم ,, أخيرا خلع السائق قناع حيائه وشق بسبابه صمت الراعي وعصاه ,, صارخا بموكبه الرعوي الأصهب ومتجاهلا تلويحه بما تبقى منها ليقسم دولة القطيع نصفين ,,, لقد مررنا بحماقة خطرة لا تساويها طيشا إلا عربدة البقر ونزق الثيران على حواف الإسفلت الزلقة ..

أخيرا أبدت البقرات امتعاضها من تزاحم ذوات الأربع المطاطية " السيارات " وما يضخه السائقين من زعيق بأبواقهم وأفواههم ,,, ظلت تراوح بين حافتي الطريق وعلى شفا الانتحار متأبية عن الحركة .. وكأنها تعلن عن احتقان المسار واختناق المنفذ ...

بعد دقائق مرت كالقرون من خوارية البقر والبشر تاركين بالوراء أصداء السجال الحانق تتصارع على أذان الفراغ ... عبرت بنا الباص المجنونة نحو شارع ضيق ممزق بالأخاديد والحفر المغرورقة بمياه تثرثر في الصمت قطرها بعد أن انحدرت من خدود مجاورة كدموع للسفوح الكلسية اللامعة ومن تلال الخضار المقوسة على خط الأفق أسفل بقع السحب البيضاء المتكاثفة كالدخان على الزرقة الخريفية الفاقعة ,, ..

تسربنا بهدوء كأننا نعبر إيوان الزمن بين عمودين تشجرا باستطالة أفق الغابة المحيطة , كما لو أن الماضي غرسهما جذعين من رخام معرق لا يذبل واغتسلا للتو من غبار التاريخ بوابل مطر فأطلا كبوابة باسقة ,, حف شجر الصنوبر والأرز جانبيها بظل مهيب واكتظ تحتهما عشب غضل ..

لوحة كهذه تستدعي للذكر ترانيم المراثي وحوارات المواجيد التي ضمخت رسائل سينيسوس وجاسون ماجانوس وهيباتيا بالصور القورينايكية الباذخة ,, كما تناضح فيها مداد الحسرة من سطر إلى سطر ومن جيل إلى جيل ...

حتما كان هنا من يقرأ شيء كهذا في عشايا الخريف الباردة للغيم العابرة والتماثيل الساجية مقاطع بنعومة المرمر وبهاء العاج وهو يمر بالأضرحة المسكونة بالأرواح الطيبة عند تخوم النيكروبولس الحجرية ,, ولعل عابر شاعر التقى بنصوص كاليماخ وهو يصعد صوب القيصرية باتجاه شارع باتوس الأول المزدان برواق البواكي المعمد والمتوج بوجوه هيراقليز البطل وهرمس الرسول قبالة الغرب والشمس تسدل لفامها على كل الحوائط البيضاء وبلاطات الموزاييك المضففة بحوريات الفنون وبيثيات بندار المجيدة ...

هناك حيث اكتنزت عمائر قورينا بمآثر المرمر على نيكسوس الأبطال ونقائش التتويج لأجساد وأرواح رجالاتها المحلقة على رؤوس تلالها ,, فما سمعته الفضاءات المرة عن فلسفة اللذة يقارب شهوة الإنصات من مجالس البازيليكا إلى مطارحات مسرح السوق وسجالات خطباء الرعية قبالة شرفات وأبراج الأكروبولس ... كأنني بذبذبات الصوت تعيد صداها بفقاعة الهواء القديم التي تحوم فوق مدينة الجناح الرفراف كما سماها وصورها الشعر ليؤسطر لقصة التأسيس ,, كأني بالندى السائل على وريقات التين والعنب الذي تشربته الأغصان يطرح إزهراره فلسفة يانعة ولذاذة أناشيد وأشعار طازجة تنكهتها مدونة الابيغرامات بذائقة خالدة تحت ظلال الأرز الليبي قبل أن يرفع أي تروبادور عصروسطي عقيرته بالشعر المغنى في الدغل الأوربي ,, فتلقفته الأزاميل مواضع لطرقها الإيقاعي على جلاميد الجبل وهي تفرغ الصلد عن الجمال المكنون والناعم ,, كما تلقنته مناقير العصافير سقسقة مجيء لكل صباح رطب تنزل فيه الشمس اللوبية بأجوراء المدينة الكوزمية لتمسح بالدفء والنور عن نقائش هياكلها نداوة الجغرافيا وخدر التاريخ .... كأني ببنداروس الشاعر الكورالي وعازف الناي شاخصا عند عتبات مكتبتها الحجرية يطالع ما نقش على أسكفة الباب من شعره فيها :

.. " فكما لا يوجد بالنهار في السماء، أي نجم أوضح أو أكثر إضاءة من الشمس، " ..........

 

 

"من صغائر الأمور أن يهز رجل ضعيف مدينة بأسرها، لكن تأسيسها بعد ذلك على أساس متين

يحتاج إلى جلد ، إلا إذا وجه الله يد الحاكم بعون مفاجئ" ..........

(( بنداروس . 522-438 ق م ))

أو كما سلم كاليماخوس برمزية على قورينا

 

سلاما يا ربتي ,,,, ولتحفظي هذا الشعب في وئام ورخاء ,,,,,,

ولتفيئي على حقولنا بما يجلب السرور علينا جميعا ,,,,,,

ولتهبي أبقارنا قوتها ,,,, ولتفيضي علينا بالقطعان ,,,,,,

ولتجلبي لنا سنابل القمح ,,,, ولتهبي لنا وفرة من محاصيلنا ,,,,,

ولتحفظي لنا السلام ,,,, حتى يحصد كل من يزرع ,,,,,,,

أكرمينا يا مليكة الربات ,,,, يا من نصلي لها صلوات ثلاث ...

(( كاليماخوس القوريني 265 قبل الميلاد)) .......

كنت قد حجزت هذا الباص منذ عشية الأمس وفور وصولي حدائق الهسبريدات ومهجع تفاحات هيراقليز الذهبية ( برنيكي = بنغازي ) من رحلة الثمانمائة فرسخ الأخيرة قاطعا كالسهم قوس الصحراء وأستار الغبار .. فتذكرت فيها ما قاله عنها كاليماخوس مادحا مدينة بشخص من تسمت باسمها الأميرة برنيكي والملكة البطليمة :

 

 

ما زال فوح العطر في ردنها ,,, يلهي العقول ويسبي الناس وجدانا

جذلى "برنيكي" أخاذة ,,, بين الحسان زرافات ووحدانا

ما كانت الفاتنات إلا بها ,,,, تدعى حسانا وكان الحسن فتانا ....

(( كاليماخوس القوريني 265 قبل الميلاد))

 

 

ظللت على هذا الحال متربصا اشتعال الباص الخامدة , ارمق على مضض وجوه الواصلين والمغادرين كناظر المحطة الذي تخيلت وجوده ولم أره ! ... لم تتزحزح مطيتنا من مكانها إلا مع أخر الليل بحجة ناقصة تقول بضرورة تمام نصاب المغادرة , وهو أن تكون كل المقاعد موجودة وكل ركابها عليها .. لم ينجح السائق في الحصول على أخر راكبين وظللنا ننتظر قدومهما حتى فاض العرق واحتقن البول .. لم يبادر أحد من الركاب بمخاطبة السائق بشان التأخير واستعجاله للانطلاق ,رغم أن الملل كان يتسرب من وجوهم كالعرق ويتربص الغضب بأفواههم المطبقة لتحرير لعناته.. لكن ثقافة الصمت كنز والخوف نعمة أخرست ألسنتهم وسعرت ببواطنهم حربا داخلية بانتظار كلمات المخلص أو مجيء مدد الركاب المنقذين من هذا القرف النابت بألسنتهم كشوك الصبار..

ركنت إلى الهدوء بدماثة مضاعفة بعد أن نالني ما نالهم من تململ ثقيل وتبرم مقيت,, لكنني تيقنت بعد مهب من الشك أن لا ريح ستأتي بمسافر غابر ولا سماء ستمطر حقائب مستعجلة ,, فعزمت على حلحلة الموقف بغواية المال وتذويب هذا العناد المتكلس بجمجمة هذا السائق النزق حتى الضياع والسفسير حد الهراء .....

بالعين الأخرى كانت بصائر رفاقي الركاب بإغفاءة مفتعلة الإغماض ولا يلوون على شيء من أمامهم ومن ورائهم , ثلاثة من بني ترابي , من الليبو الأشاوس كما رسمتهم الملامح السلالية والعلامات الفارقة ,, دمغتهم الكآبة والصمت بختمهما الوطني جدا .. البقية من العمالة المهاجرة وأصحاب النفس الطويل بالمحطات والمعابر والبوابات كمستغربين عتاة ارتادوا التلويح على ضفاف الانتظار بالطرق المعبدة والمجعدة .. بجلد ومجالدة ترسبت بآداب السفر عندهم وبفهمهم خبرات انتظار مكتسبة ومتطورة وقابلة للتمطيط بطول أي طريق وعرضه ,, كنت أراهم كالثلج الصلد , برودة لا بياض رغم سمرة سحناتهم المتنطعة بالقلق المزعوم .. بدوا غير مكترثين بالوقت بقدر ما يحسبون ما ستنفق جيوبهم التي جعلت لدخول النقود لا خروجها..

قلت للسائق بلغة رقمية يفهمها : " لننطلق وسأدفع لك ثمن المقعدين الشاغرين فما رأيك ؟ "..

رد منفرج الأسارير وكاشفا عن أسنانه الصدئة جميعا وحتى المذهبة منها ولأول مرة منذ لقائي به عشية الأمس, نفث بوجهي رصيد رئتيه من سيجارة ملتحمة بشفتيه وتتدلى كمدخنة مائلة قائلا " على كيفك يا سيد سنتحرك فورا فاصعد إلى مقعدك بينما اسكب بعض الماء للمحرك كي لا يعطش بالطريق وحتى لا تلهث السيارة ككلب بسبخة .. ثم أطلق قهقهته متوالية هاءات بالكاد ازدرتها " هههههههههههه"... فقلت لنفسي جميل أن ينجح المرء بتدوير عجلة الخبل على محور العقل وبتحريك بندول السكون في مكان تقرفص زمانه مشلولا أمام سالكيه .. فأحسست وكأنني اصعد الخطوة الأولى في رحلة المائتي ميل الأسطورية.. وبأن الوصول حتمي مهما تطاولت المفارقات ..

كثعبان متهالك كانت الباص المخردة بمعايير الصلاحية والآمان لو طبقت تبث أصوات وجع الحديد بمفاصلها المفككة ,ويجاوب صدى زحفها على درب الحفر والحصى بعظام الركاب على ظهرها الهزاز,,.. في طقس جمبازي كهذا تصبح كما لو كنت بجوف المحرك وسط تروس من الضجيج الشرس تكفيك مئونة السؤال كإجابة صارخة بك لتصمت في صمت ولتنام من فرط التعب والجنون أو لتصبر على هذا الوضع المقفل بانتظار قاع الوصول كدلو ماء أخير سيطفئ محرك لن يسكت إلا بعد نفاذ أخر اشتعالات وقوده الصاخبة .. أو موت السائق وراء مقوده بسكتة دماغية وتدحرجنا جميعا إلى قبره السحيق عند أول منعطف للتهلكة .

رغم كل هذا الاعتصار العاصف بدت الساعة الأخيرة للعتمة مسرفة في التلاشي وهي تشير إلى مواعدة وشيكة مع الشمس .. وئيدا تصاعدت الهالة وهي ترخي من قرصها اللامع خيوط النور على مسداة الهضاب المشرفة على الدرب الغبشة أمامنا .. بعيدا عن نقطة الانطلاق بسطر الليل الأخير مع بطء الحركة وظلمة الخط ,, أخيرا ولجت بنا الرحلة صفحة الصبح ..

كانت قفزة ضوئية مثيرة وكنت في طقسي الدمث وفي لياقة ممتازة ولعلها مرنة بالقدر المناسب للتعاطي مع الرحلة ومفاجأتها .. برودة الطقس وجمال الروابي والأحراش المتصل بلا قبح أو انقطاع منحت لأعصابي ومزاجي هدأة وبرد وسلام باطني كما كان للسوية الحاضرة بطيب المشاعر حيال الرحلة برمتها وغايتها ما يكفي لجعلي بشهية مفتوحة أيضا لالتهام كل المنغصات والمثبطات العجيبة التي ستلتئم بمحيطي وأمامي ..رغم صرامة الاستفزاز المتربص بصبري إلا انه لم ينجح في نخري بالهشاشة أو وصمي بالانهيار وأنا أخوض اختبارات الصمود في رحلة استكشاف لأوابد الحجر مسافرا بين أطراف وطن لملمه التراب وتناثر بشره وحجره على رقعة التطواف,, احتاج خرائطه , سجلاته , ألبوماته , لأبصم عليها بأصابعي ولأراه كما ينبغي له ويجدر به .. شاهد عيان يحفر في زمنه وأرضه ,, كابن تراب يعرفه ويقدر مكنونه وذخائره ,, ولأتنفس فيه مروج روحه وهي تأترج بين أحضانه المترامية ..

ظللت على هذا الحال أنبذ شيطنة القلق مستبشرا بكل التعب , نافضا عني وعثاء السفر وراء كل متر تعبره عجلات هذا الباص العجوز.. وهو بالكاد يصعد بين تجاعيد هذه الجيولوجيا الهرمة منذ ما بعد الطوفان العظيم ..

إلى ناحية منبسطة ومنخفضة هوت بنا الافعوانة التي نمتطي حتى أن أحد الركاب بمؤخرة الباص يبدو انه كان شاردا أو نعسان كاد أن يتدحرج من النافذة ليرتمي بظهر السائق كدمية بكماء ,, لم يصدر عنها غير آهات متباعدة وخافتة سرعان ما عاودت السبات بمقعدها الخلفي وسط أكوام الصرر والحقائب المزدراة .. فقط نوبات الشخير ظلت تكسب الراقد هويته الآدمية وتعلن بقائه على قيد الامتطاء " كراكب مغلق العينين , مغلق الفم يعزف بأنفه لحن الوجود" ..

كانت الأرض معشوشبة ورطبة نزلت بأحضانها قبيلة خيول طليقة السراح والصهيل ولم تسرج لبشر قط ,, ربما أهملها تاريخ الفروسية والفرسان فارتدت إلى عصرها البري جامحة لا تروم المروضين.. بالتفاتة حذرة ومحذرة بعد أن تفطن لاقترابنا منه ,, أطلق قائد القطيع صهيل البراري في أذان أفراسه محددا نطاق السيطرة على المكان بسلطة الفحولة ومحدقا بوجه عجلات الباص المهترئة التي اقتحمت حماه ككائن غريب وسمج يتحرش بزوجاته ..

احد الركاب حاول الوقوف ومد رأسه من النافذة لمتابعة هذا المشهد الخرافي الذي حدثته به رفيقه الملاصق للنافذة ..لكنه تهاوى بقوة على مقعده بعد أن ترنح الباص وانغرزت إحدى عجلاته بحفرة مخفية غطاها العشب بخضرة زائفة .. كفارس مبتدئ طفق باستحياء يتحسس كدمات نالت من رأسه وظهره فيما عيون من حوله ترمقه بالشفقة والاستغراب معا.. راكب ظريف قطع صمت الموقف وهو يكركر بلكنة ساخرة " يا رجل تشبث جيدا بسرجك فركوب مثل هذا الباص فروسية أيضا ".. لم يرد الراكب الكسير إلا بالتفاتة حانقة ناحية النافذة ليبعد نظرات الآخرين عن مقعده الذي التوت الأعناق بحثا عنه ..

طيلة الرحلة كان السائق مهووسا بأزرار جهازه الموسيقى العتيق والمبحوح الصوت , فكان من حين لأخر يعاجله بضربة منشطة من قبضة يده محاولا إعادة الصوت إلى مكبراته أو تعديله بعد أن خذلته الأزرار رافضة الدوران مع رغباته الناشزة ..

كان صوت الموسيقى مجنونا,, مرات يرتفع ومرات ينخفض ولا نسمع منه إلا خشخشات حادة وطنين خشن يخدش الأذان .. بينما السائق يردد هتافات إعجابه المرة تلو المرة " الله يا شيخ الصديق الله الله يا بوعباب - مكررا لازمة تقول – " في مرشيدس راح توارى " ..

راكب بالمؤخرة العميقة كان يغلي على مقعده كمرجل , ما انفك ينفخ بخار الاشمئزاز والنقمة ويتمتم برأي فائر , قلما يهمسه بين رأسه وركبتيه كمشروع للقفز وللتمرد وسط جوقة لا تعارض النشاز واستمرئت مهادنة النغم والسائق الممسوس بالمزمار والهدهد الصادح ,, لكنني بفضول الرصد لصالح التدوين المؤجل أظنني سمعته يقول " فال الله ولا فالك .. هذا المتخلف المخبول سيطيح برؤوسنا جميعا من هذا التابوت الذي يحشرنا به . أو لعله سيدعو شيخه الصديق مستعجلا القضاء ليصلي على جنازاتنا وبكلمة تأبين ملحونة من قاموس اللغة الحدودية ومفرداتها الهجينة بين الدارجة والمهربة " ..

لم يكن السائق المهذار مهتما بأحد عدا أمرين اثنين من شؤون السيادة وطقوس الاعتداد بشخصه المهيب كزعيم أبله لهذه الرحلة البائسة بمقياس المتاعب والمرضية لي كمجال للتعالق الحي مع الطرائف والاستقبال المباشر للمناكفات والمقالب .. مرات يجهد أصابعه بتعديل شواربه الثخينة وفتل نهايتها الرفيعة.. ثم لا يتحرج من أن يحشر إحداها بكهوف منخاره كملاقط تنظيف تكاد أن تخرج من أذنه .... ومرات يستغرق بحك فروة رأسه وبضبط تموضع شنته القرمزية* وفق إيقاعات مزاجه الطربي كلما داهمه من الاستمتاع طائف نشوة فيحركها إلى الأمام حتى تكاد أن تلثم أنفه المشرئبة وراء سحب الدخان المتصاعد من كل ثقوب جمجمته .. لم يفوت سائقنا الهوائي فرص عديدة لسب وشتم السائقين الآخرين على الطريق اثر أي مضايقة يقدرها بحنكته ونرجسيته الصادرة عن دائرة الصلف ,, فكان يصب جام غضبه عليهم وعلى شنته قاذفا بها حيثما اتفق ككرة صوفية مترهلة ,,, لكنه سرعان ما يعود ليطلب من أقرب راكب حطت الشنة بمرماه أن يضعها على رأسه فيعاود نفخها بعنجهية مضاعفة ......

كوب الشاي الخاثر الذي يضعه أمامه ,,منحه الكثير من الشراهة ليشعل الجمر من الجمر..فسجائره تتناسل الشرر من بعضها ..لكن العجوز الذي اندك بالمقعد الذي ورائه قفز لمرات عدة مذعورا من سباته وأطلق من السعال ما يكفي لاستفاقة سكان مدينة " ظنا انه البارود يكح أيضا وأن الطليان عادوا كقطاع طرق" ..

عقب عدة صليات من السعال الخارق استنفذت رئتا العجوز مقاومتها لزحف سحب الدخان المنبثة من خيشوم اللواء " بوشنة " فانخرط في دورة إدمان متحركة نجحت في ترويض أنفه وتخدير قواه فلم نعد نسمع منه أي نفس أو حس .. حتى ظننت انه قضى نحبه لو لم أراه في أخر الرحلة يبصق شحنة تبغ مستهلكة " مضغة " كانت مدفونة بفمه كخرطوشة من الكيف العشبي .. قذفها بقوة الصاروخ بعيدا فهوت كقطعة لحم مجفف " قديدة " اقترب منها قط عابر بخطوات حذرة ,, لكنه عند حافة الانقضاض راح يجسها بذيله مرة وبمخلبه مرات ..

تشممها وقلبها برجليه ثم التهمها ظنا أنها من اللحم لكنه عاود بصقها وليبدأ دوى أخر من مس السعال بصدر القط الذي فر بعيدا وهو يتقافز على نحو غريب , يتلوى كأن روح العجوز قد نفخت أحشائه ,, بدا كبالون بذيل ... تركله الريح والآلام وهو يختفي رويدا رويدا بين شجيرات الكليل المتكاثفة وهشيم الدرياس الذابل بحمرة ثماره من أثر الصقيع الحارق .....

 

لم نصل الوجهة بعد ومازالت البوصلة مفتوحة على كل الاتجاهات !! ؟؟....

 

 

* / الشنة : طاقية صوفية = غطاء تقليدي للرأس من الزي الشعبي الليبي

 

 

*- نشر بموقع جيل على الرابط التالي :

http://www.jeel-libya.net/show_article.php?section=5&id=24022

->إقراء المزيد...
Google

متواجدون

نصير شمه - مقطوعة العصفور الطائر

قصور مصراتة

art